- وكم من كلمة تدور على الألسنة مثلا وقد جاء القرآن بأحسن منها فمن ذلك : ـ
- 1) ـ " القتل أنفي للقتل" مذكورة في قوله تعالى : ـ
- " ولكم في القصاص حياة ".
- 2 ) ـ " وليس المخبر كالمعاين " في قوله تعالى : ـ
- "ولكن ليطمئن قلبي ".
- 3 ) ـ "ماتزرع تحصد " في قوله تعالى : ـ
- "من يعمل سوءا يجز به "
- 4 ) ـ " للحيطان آذان " في قوله تعالى : ـ
- "وفيكم سماعون لهم "
- 5 ) ـ " الحمية رأس الداء "في قوله تعالى : ـ
- " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا "
- 6 ) ـ " خير الأمور أوساطها " في قوله تعالى : ـ "
" ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط"- 7 ) ـ " من أعان ظالما سلطه الله عليه
- " كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله "
- 8 ) ـ " لاتلد الحية إلا حية " في قوله تعالى : ـ
- " ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا " :
- :::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
قال الماوردي: سمعتُ أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول:- سمعتُ أبي يقول:
- سألتُ الحسن بن الفضل، فقلتُ:
- إنك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن، فهل تجد في كتاب الله: (خير الأمور أوساطها)؟ قال: نعم، وأورد آيات تتضمن معنى المثل، منها:
- قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}[الفرقان: 67].
- ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: قلتُ: فهل تجد في كتاب الله: (مَن جَهِلَ شيئًا عاداه)؟
قال: نعم، في موضعين: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ}[يونس: 39]، {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}[الأحقاف: 11]».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ..
وجرَى على هذا النحو حتى قال له: «فهل تجد فيه: (لا تَلِد الحيةُ إلا حيَّةً)؟
قال: قال تعالى: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}[نوح: 27]».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجد فيما مرّ عليَّ من هذا النوع: أنه ذُكر الظلم في مجلس ابن عباس، فقال كعب: إني لا أجد في كتاب منزل (أنّ الظلم يخرب الديار)،
فقال ابن عباس: أنا أُوجِدُكَهُ في القرآن؛ قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فضَرْب الـمَثَل في القرآن قد يُستعمل في تمثيل حالة غريبة بأخرى مثلها،
وقد يستعمل في ذكر حالة غريبة تُقْصَدُ لنفسها، ولا يُراد تمثيلها بنظيرة لها، ومن هنا ترى المفسِّرين قد يختلفون في تفسير آياتٍ سمّاها الله: (مثلًا)،
فمنهم من يفسرها على قصدِ جَعْلها مثلًا لشيءٍ آخر،
ومنهم من يفسّرها على أنها قصة غريبة في نفسها،
فيمكننا أن نقول: أمثال القرآن: ما يضربه الله للناس من أقوال تتضمن ما فيه غرابة: من تشبيه، أو استعارة، أو قصة، ويدخل في هذا كلّ ما سمّاه القرآن قبل ذلك أو بعده: مثلًا، بل ويعدُّ في أمثال القرآن كلّ ما اشتمل على تمثيل حالِ شيء بحال آخر؛ كقوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}[الحج: 31]،
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}[النور: 39، 40].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فوائد ضرب المثل:
يُضرب المثل لتقرير حال الممثَّل في النفس؛ - حيث يكون الممثَّل به أوضح من الممثَّل، أو يكون للنفس سابقةُ أُلْفَةٍ وائتناس به؛ كما ضرب الله مثلًا لحال المنفِق رياءً؛ حيث لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب،
- فقال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا}[البقرة: 264]،
- فقد مثَّل حال المرائي في إنفاقه بحال الحجر الأملس يكون عليه تراب، فيصيبه مطرٌ غزيرٌ، فيَذهب بما عليه من تراب، فأعمال المرائي مثل التراب الذي كان على الحجر، فإنها تَذهب هباء، ولا يجد لها ثوابًا،
- وفي هذا المثل تقرير لخيبة المرائي على وجه أبلغ ما يكون
- ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويُضرب المثل للتنفير؛
حيث يكون الممثَّل به مما تكرهه النفوس، وتنفر منه؛ كما ضرب الله مثلًا لحال المغتاب،
فقال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}[الحجرات: 12]،وليس مِن شك في نفور الطباع من أكل لحم الأخ وهو ميت، فينبغي أن يكون نفوره من الغِيبة بمقدار هذا النفور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويُضرب المثل لمدح الممثَّل؛
حيث يكون في الممثَّل به صفات تستحسنها النفوس، وتمدح مَن يحرز مثلها؛ كما ضرب الله مثلًا لحال الصحابة -رضي الله عنهم-
، فقال تعالى: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}[الفتح: 29].
فالزرع يُخرج شطأه، وهو ما تفرّع في شاطئيه -أي: جوانبه-، ثم يقوَى، ويستغلظ -أي: يصير بعد الدقَّة غليظًا-، وكذلك حال الصحابة؛ فإنهم كانوا في بدء الأمر قليلًا، ثم أخذوا في النمو حتى استحكم أمرهم، وامتلأت القلوب إعجابًا بعظمتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويُضرب المثل للذمِّ؛
حيث يكون للممثَّل به صفة يستقبحها الناس، ويذمُّون مَنْ رضي لنفسه بمثلها؛ كما ضرب اللهُ مثلًا لحال من آتاه الله كتابه، فنكث يده من العمل به، وانحطَّ في أهوائه،
فقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا}[الأعراف: 175، 176]،
فقد مثَّلت الآية حال العالِم المنحطّ في أهوائه بحال الكلب الذي هو أخبث الحيوان، وأخسّها نفسًا، ذلك أنّ المنحط في أهوائه شديد اللهف على الدنيا، قليل الصبر عنها، فلهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتَرْكه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويُضرب المثل في مقام الاحتجاج؛
حيث يلزم مِن تسليم الممثَّل به وإدراكِ أنّ الممثَّل مطابق له -الرجوعُ إلى الاعتقاد بالحقّ؛ كما ضرب الله مثلًا للدلالة على أنه الإله الحق، وأن الأوثان لا تستحق أن تُعبد،
فقال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ}[النحل: 75].
إِذْ دلَّ بالمثل على عجز الأصنام عن أن تنفع عابدها بشيء؛ إِذْ مثَّل حالها بحال العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، ودلّ على كمال قدرته؛ إِذْ جعل في مقابلة العبد المملوك الممثل للأصنام، مَن اتسع رزقُه وكان ينفق منه كيف يشاء، ومَن له مُسكة مِن العقل لا يتولَّى العاجزَ بالعبادة، ويدَع عبادة القادر على كلّ شيء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن بديع أسلوب القرآن في ضرب المثل:
أن يسوق الجُمل مستعملًا لها في معانيها الحقيقية، قاصدًا بها غرضًا خاصًّا؛ كالاحتجاج على بعض العقائد، وبعدَ أن يفيد بها هذا الغرض يعود إلى جَعْلها مثلًا يرمي إلى غرض من الأغراض التي تُضرَب لها الأمثال،
فانظروا إن شئتم إلى قوله تعالى: {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}[الرعد: 16، 17].
فقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ...} إلى قوله: {زَبَدٌ مِثْلُهُ} ظاهر في معنى تقرير حُجة على كمال قدرته تعالى، وبعد أن أقام به حجة على المشركين، جعَل هذا القول نفسَه مثلًا يستبين به الحق والباطل، فقال تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِل
وهذا من الإيجاز الذي بلغ به القرآن أعلى طبقات البلاغة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد يَضرب القرآنُ المثلَ بأمرٍ موجودٍ على حال حُسن أو قُبح، والناس يعتقدونه على ما هو عليه مِن حُسْنٍ أو قُبْحٍ، وإن لم يرَوه بأبصارهم، ولكنه يحضر في أذهانهم بصورة جميلة، أو صورة قبيحة، فيكون التمثيل به تمثيلًا بأمرٍ موجودٍ، وصورته الحاضرة في الأذهان مطابقة للواقع من حيث حسنها أو قبحها،
ومثل هذا قوله: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ}[الصافات: 64، 65]، فالشيطان شخصٌ حيٌّ، ولكن المخاطَبِين لم يرَوه بأبصارهم، وجاء التمثيل في هذه الآية على ما اعتقدوه اعتقادًا مطابقًا مِن قُبح صورته،
وعلى هذا النحو يجري التمثُّل بالـمَلَك في قوله تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}[يوسف: 31]، فإنّ التمثيل جارٍ على ما تصوّروه مِن حُسنه، وهذا التصور صادق لا محالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المجالات التي تناولتها الأمثال في القرآن الكريم : ـ
1 ـ بينت الإيمان ومثلت به . 2 ـ كشفت الكفر وردت شبهه .
3 ـ فضحت النفاق . 4 ـ نادت بالخير وردت الشر .
5 ـ صورت الخبيث والطيب . 6 ـ ميزت الصالح عن الطالح .
والأمثال في القرآن لها بلاغة خاصة لايدركها إلا العارف بأسرار اللغة العربية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن دلائل رحمة الله عز وجل حبه وتودده لعباده ضرب الأمثال ،
فهو المتعالى والغني عنهم إلا أنه ضرب الأمثال لسهولة الفهم والادراك ولسهولة الوصول إليه حتى لايكون لأحد حجة يوم القيامة فكل الدلائل العقلية والكونية والأدبية تشير بنفس واحد : لاإله إلا الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد كانتِ العرب تستعمل الأمثال في الجاهلية وفي الإسلام قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
فاقرأ كتاب الله جهدك واتله ... فيما يقوم به هناك وينصب
بتفكروتخشع وتقرب ...إن المقرب عنده المتقرب .
واعبد إلهك ذا المعارج مخلصا ...وانصت إلى الأمثال فيما تضرب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجاءت آيات القرآن الكريم لتؤكد أنَّ الأمثال الصريحة الواردة في القرآن، إنما هي من أجل التفكُّر؛ فقد قال تعالى:
﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: 21]،
ثمَّ بعد كثرة التفكر بالأمثال يحصل للمتفكر أمرٌ آخر هام ضُربَت من أجله الأمثال، وهو التَّذكُّر؛ قال تعالى:
﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [إبراهيم: 25]، فليس ثَمَّ تذكُّرٌ مِن دون سابقة تَفكُّر، وبعد التفكر والتَّذكر يحصل العلم المؤدي للفقه، وهو الفهم الصحيح لمضرب الأمثال؛ قال تعالى:
﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 43]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الماوردي :"من أعظم علوم القرآن علم أمثاله".
روى الإمام البيهقي عن أبي هريرة (رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن القرآن نزل على خمسة أوجه :
"حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تأمل الفرق بين أن تقول :
فلان يكد نفسه في
قراءة الكتب ثم لا يفهم منها شيئا، وبين أن تتلو قوله تعالى : "مثل الذين
حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا". (51)
فإنك بلا شك تدرك بعد ما بين حاليك، وشدة تفاوتهما في تمكن المعنى في نفسك، وتحببه إليك، وتثبته في قلبك، وتوفيره لأنسك.
فإذا
جاء التمثيل في باب المدح
كسا المعنى حلة من الجمال والبهاء كقوله تعالى
:"مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم
يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل
الثمرات".
وإن جاء في باب الذم
كان وقعه أشد إيلاما كما ورد في سورة الأعراف بخصوص الغاوين :" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث".
وإن جاء في مقام الاحتجاج
كان باهر البيان، قوي الحجة والدليل كقوله
تعالى : "مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا
وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون".
وإن جاء في مقام الوعظ
كان أبلغ في التنبيه والزجر كقوله عز وجل بخصوص وصف نعيم الدنيا :
"اعلموا
أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال
والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما".
وإن جاء في موضع الاعتذار
سحر العقل، وسلب القلب، وسل السخيمة،
وأزال الضغينة والموجدة، وهكذا دواليك في مختلف فنون القول وضروب الكلام
.
تنبيه :
لا يوجد الاعتذار في القرآن الكريم إلا حكاية عن
أصحاب المعاذير الكاذبة، والتعلات الخاطئة، ليكون الاعتذار حجة عليهم، فهو
في الظاهر اعتذار، وفي الواقع احتجاج، كقوله تعالى عن حالة المعرضين عن
دعوة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والبحث في الأمثال في القرآن الكريم عطاء لاينفذ لأنه بحق كلام الله المعجز
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق