وهذه المسألة سأل عنها معاذ بن جبل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : ـ
ما حق العباد على الله تعالى ؟
"قال: حق العباد على الله أن يقبل توبتهم إذا تابوا وأن يدخلهم الجنة، وأن يعفو عنهم.
أنظر في لطف الله تبارك وتعالى يرزق أعداءه مع عصيانهم له ويستر عليهم، ولا يحبس رزقه عنهم لأجل كفرهم وعتوهم فحق العباد أن يعطيهم ما وعدهم على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبول التوبة والكرامة وإدخالهم الجنة والتجاوز عنهم برحمته ومنّه ولطفه وكرمه.
هذا جزاء عباد الله؛ الجنَّات والكرامات والسَّعادة
الأبدية التي ليس فيها موت ولا مرض ولا فقر ولا حاجة ولا مشقة، بل في نعيم
دائم وخير دائم، هذا جزاء من عبد الله، واستقام على أمره، وحافظ على حدوده،
وابتعد عن مناهيه.
يا رسول الله، أفلا أُبشر الناس؟ بهذا العلم، قال : ـ
لا تُبشرهم فيتَّكلوا يعني:
لا يتَّكلوا على مجرد التوحيد ويقعوا في المعاصي،
ثم إن معاذًا بيَّن ذلك
في آخر حياته تأثمًا؛ تحرجًا من الإثم، والنبي بيَّن هذا في أحاديث أخرى؛
بيَّن ذلك لأمته، وحذَّرهم من الاتكال، حذَّرهم وبيَّن لهم أنه لا بدَّ مع
التوحيد من حقِّ الإسلام، قال في الحديث الصحيح : ـ
"أُمِرْتُ
أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله،
ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم
وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام،"
فالطاعات كلها من حقِّ الإسلام، وترك المعاصي من حقِّ الإسلام .
وحق العباد على الله تعالى أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، وهذا فضل
عظيم من الله عز وجل، لأنه لا مُلْزِم له سبحانه، ولا موجِب عليه، قال ابن تيمية:
"كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق
مُقَابَلَةٍ، كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى
للاستحقاق، إلا أنه أخبر بذلك ووعده صدق.. كما دل عليه الكتاب والسنة قال
تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}(الروم:47)،
لكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الحق، ولم يوجبه عليه مخلوق"
ومن المعلوم أن النجاة والجنة تكون بفضل الله تعالى ورحمته، كما جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه:
(لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة) رواه البخاري.
قال ابن حجر: "فالجواب أن المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول، والمثبت في الآية {ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ}(النَّحْل: 23) دخولها بالعمل المُتقبَل، والقبول إنما يحصل برحمة الله فلم يحصل الدخول إلا برحمة الله"
استغل فرصة وجود معاذٍ رديفا له ليزفّ
إليه هذه البشرى العظيمة، ولفرط معاذ وفرحه الشديد بهذه الفائدة الجليلة
يطلب من معلّمه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يتولى تبصير الناس بها:
(أفلا أبشّر الناس)..
إن على المعلم مسؤولية كبرى تجاه الأجيال الذين يتولى
تعليمهم وتربيتهم بأن ينصح لهم ويوجههم إلى ما يفيدهم وينفعهم في دينهم
ودنياهم، وعليه أن لا يبخل عليهم بما أعطاه الله - تعالى -من علم وخبرة
وتجربة.
و قوله: (أفلا أبشر الناس؟... ). استنبط منها أهل
العلم استحباب بشارة المسلم بما يسره وبخاصة إذا كان نفعه متعديا في الدنيا
والآخرة، فالصحابة -رضي الله عنهم لم تكن من صفاتهم الأنانية وحب الذات،
بل كانوا يسارعون إلى بشارة بعضهم البعض ليستفيد الجميع من ذلك.
(فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة وبر
الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن
السبيل والملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال
ذلك من العبادة)،
(وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص
الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه، والرجاء
لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك من العبادة لله).
من هذا نفهم أن
كل ما يعمله الإنسان في هذه الحياة من الأعمال المباحة المشروعة إذا كان
القصد فيها صالحاً فهو عبادة، حتى ما يقضيه الإنسان في شهوته ولذاته ومعاشه
اليومي .
وأوضح شاهد على ذلك ما رواه الإمام مسلم وغيره أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - قال: (وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: أيأتي أحدنا شهوته
ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا
نعم، قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر).
وهذا
من تمام رحمة الله على عباده، يثيبهم على ما فيه قضاء شهواتهم إذا نووا
أداء حق الزوجة وإحصان الفرج.
هذه العبادة بهذا المعنى الشامل الواسع هي
التي أمر الله بها رسله، وأوجبها على خلقه في آيات كثيرة، منها
قوله تعالى : ـ
(ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت).
فأخبر - تعالى -أنه بعث في كل طائفة من الناس رسولا يبلغهم هذه الكلمة التي
هي عبادة الله وحده وترك ما سواه.
وهذه العبادة إذا مارسها العبد بمعناها
الشامل وجد سعادة لا تضاهيها سعادة،
(وهكذا
كلما أخلص المرء العبودية لله وجد نفسه، واهتدى إلى سر وجوده، ووجد مع ذلك
سعادة روحية لا تدانيها سعادة، تتمثل فيما سماه الرسول - صلى الله عليه
وسلم -:( حلاوة الإيمان).
إنه لا شيء
أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها ، فهو إلهها ومعبودها ، ووليها ومولاها ،
وربها ومدبرها ، ورازقها ومميتها ومحييها ، فمحبته نعيم النفوس، وحياة
الأرواح، وسرور النفوس، وقوت القلوب ، ونور العقول ، وقرة العيون ، وعمارة
الباطن ، فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة ، والعقول الزاكية أحلى
ولا ألذّ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من محبته والأنس به والشوق إلى لقائه ،
والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة ، والنعيم الذي يحصل
له بذلك أتم من كل نعيم ، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق